أبي حيان الأندلسي

287

تفسير البحر المحيط

* ( إِنّي جَاعِلٌ فِى الارْضِ خَلِيفَةً ) * ، لأن الفعل العامل في الظرف لا بد أن يقع فيه ، أما أن يسبقه أو يتأخر عنه ، فلا لأنه لا يكون له ظرفاً . وذهب بعضهم إلى أن إذ منصوب يقال بعدها ، وليس بشيء ، لأن إذ مضافة إلى الجملة بعدها والمضاف إليه لا يعمل في المضاف . وذهب بعضهم إلى أن نصبها بأحياكم ، تقديره : * ( وَهُوَ الَّذِى أَحْيَاكُمْ ) * ، * ( إِذْ قَالَ رَبُّكَ ) * ، وهذا ليس بشيء لأنه حذف بغير دليل ، وفيه أن الإحياء ليس واقعاً في وقت قول الله للملائكة ، وحذف الموصول وصلته ، وإبقاء معمول الصلة . وذهب بعضهم إلى أنه معمول لخلقكم من قوله تعالى : * ( اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِىْ خَلَقَكُمْ ) * * ( إِذْ قَالَ رَبُّكَ ) * ، فتكون الواو زائدة ، ويكون قد فصل بين العامل والمعمول بهذه الجمل التي كادت أن تكون سوراً من القرآن ، لاستبداد كل آية منها بما سيقت له ، وعدم تعلقها بما قبلها التعلق الإعرابي . فهذه ثمانية أقوال ينبغي أن ينزل كتاب الله عنها . والذي تقتضيه العربية نصبه بقوله : * ( قَالُواْ أَتَجْعَلُ ) * ، أي وقت قول الله للملائكة : * ( إِنّي جَاعِلٌ فِى الارْضِ ) * ، * ( قَالُواْ أَتَجْعَلُ ) * ، كما تقول في الكلام : إذ جئتني أكرمتك ، أي وقت مجيئك أكرمتك ، وإذ قلت لي كذا قلت لك كذا . فانظر إلى حسن هذا الوجه السهل الواضح ، وكيف لم يوفق أكثر الناس إلى القول به ، وارتبكوا في دهياء وخبطوا خبط عشواء . وإسناد القول إلى الرب في غاية من المناسبة والبيان ، لأنه لما ذكر أنه خلق لهم ما في الأرض ، كان في ذلك صلاح لأحوالهم ومعايشهم ، فناسب ذكر الرب وإضافته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) تنبيه على شرفه واختصاصه بخطابه ، وهز لاستماع ما يذكر بعد ذلك من غريب افتتاح هذا الجنس الإنساني ، وابتداء أمره ومآله . وهذا تنويع في الخطاب ، وخروج من الخطاب العام إلى الخطاب الخاص ، وفي ذلك أيضاً إشارة لطيفة إلى أن المقبل عليه بالخطاب له الحظ الأعظم والقسم الأوفر من الجملة المخبر بها ، إذ هو في الحقيقة أعظم خلفائه ، ألا ترى إلى عموم رسالته ودعائه وجعل أفضل أنبيائه أمّ بهم ليلة إسرائه ، وجعل آدم فمن دونه يوم القيامة تحت لوائه ، فهو المقدم في أرضه وسمائه وفي داري تكليفه وجزائه . واللام في للملائكة : للتبليغ ، وهو أحد المعاني التي جاءت لها اللام ، فظاهر لفظ الملائكة العموم . وقال بذلك قوم ، وقال قوم هو عام المراد به الخصوص ، وهم سكان الأرض من الملائكة بعد الجان . وقيل : هم المحاربون مع إبليس . ومعمول القول إني جاعل ، وكان ذلك مصدراً بأن ، لأن المقصود تأكيد الجملة المخبر بها ، وإن هذا واقع لا محالة وإن تكسر بعد القول ، ولفتحها بعده عند أكثر العرب شروط ذكرت في النحو ، وبنو سليم يفتحونها بعده من غير شرط ، وقال شاعرهم : * إذا قلت إني آيب أهل بلدة * نزعت بها عنها الولية بالهجر * جاعل : اسم فاعل بمعنى الاستقبال ، ويجوز إضافته للمفعول إلا إذا فصل بينهما كهذا ، فلا يجوز ، وإذا جاز إعماله ، فهو أحسن من الإضافة ، نص على ذلك سيبويه ، وقال الكسائي : هما سواء ، والذي أختاره أن الإضافة أحسن ، وقد ذكرنا وجه اختيارنا ذلك في بعض ما كتبناه في العربية . وفي الجعل هنا قولان